دراسة ‏ذرائعية ‏لديوان ‏" ‏تأملات ‏في ‏تراتيل ‏الناقة ‏" ‏للشاعر ‏د ‏. ‏أحمد ‏مفدي ‏/ ‏الناقدة ‏الذرائعية ‏: ‏ابتسام ‏الخميري ‏/ ‏تونس ‏الجزء ‏الأول ‏

ننشر هذه الدراسة الذرائعية الهامة للناقدة الذرائعية التونسية ابتسام الخميري على جزئين 
حركة التصحيح والتجديد والابتكار في الأدب العربي
لجنة الذرائعية للنشر
تشذّي الذّات و انتصارها للوجود و الوطن
دراسة تحليليّة ذرائعيّة لديوان "تأمّلات في تراتيل النّاقة"
للشّاعر المغربي: دكتور أحمد مفدي
بقلم الذرائعية : إبتسام بنت عبد الرّحمان الخميري من تونس
المقدّمة:
ما فتئ الشّعر يعدّ من الأجناس الأدبيّة المحبّبة للعديد من البشر رغم ما اكتسح الحياة اليوم من تقدّم و تطوّر تكنولوجي و علمي... فالشّعر بما هو كلام جميل منمّق، ما يزال يجذب إليه السّواد الأعظم من النّاس لما يتضمّنه من موسيقى داخليّة و خارجيّة تحدث نغما يحرّك الإحساس و تشنّف له الآذان البشريّة، إنّه مرآة عصره يعكس لنا إيديولوجية قائله و يعرّفنا حالته النّفسيّة و الاجتماعيّة...
منذ القديم كان الشّعر العربي فنّا من الفنون تنوّعت أغراضه و اختلفت... حيث برز الشّعر الصّوفي كأحد أنواع الأدب الصّوفي و هو شعر روحي وجدانيّ ظهر بعد شعر الزّهد و الوعظ... و بعد انتشار مظاهر التّقوى بين الفقهاء و المحدثين و الأدباء... الجدير بالذّكر إنّ هذا النّوع بلغ ذروته في الشّعر العربيّ مع ابن الفارض و ابن العربي و اتّضحت معالمه في القرن الثّالث هجري، في النّصف الأوّل منه تحديدا. من أشهر الشّعراء المتصوّفين جلال الدّين الرّومي و أحمد بدوي و شهاب الدّيم ابن الخيمي
و الحلاّج و عفيف الدّين التّلمساني و رابعة العدويّة...
من هذا المنطلق سنتناول بالدّرس ديوان "تأمّلات في تراتيل النّاقة" للشّاعر المغربي الدّكتور" أحمد مفدي" لأنّ هذا الدّيوان ينضوي تحت هذا النّوع من الشّعر الصّوفي و باعتبار صاحبه قد جمع بين جماليّة اللّغة و صدق العاطفة( تجاه الوطن خاصّته: المغرب، و الوطن العربي، حمص) و قوّة الفكرة و علوّ الموسيقى الشّعريّة... لقد أتى الشّاعر الفذّ في ديوانه هذا على أهمّ خصائص الشّعر الصّوفي من تعبير رمزيّ هيمن في جلّ أبيات الأثر إضافة إلى الحديث عن باطن النّفس و أسرارها و عدم الاحتفال بالفخامة و الجزالة، فكانت ركائز الشّعر الصّوفي المملوكي بارزة في "تأمّلات في تراتيل النّاقة".
إنّه لا يفوتنا أن نشيد بالشّعر السّياسي الّذي نجد ملامحه بين ثنايا هذا الدّيوان عندما سعى شاعرنا إلى التّعبير عن رأيه السّياسي فيما يجري حوله من أحداث و تبيان زاوية نظره الخاصّة و موقفه من ذلك الوضع عندما وصف الأحداث الّتي جرت في سوريا (حمص) و حجم المعاناة الّتي عاشها الشّعب...
لقد كشف لنا معجمه الكلاميّ عن إيديولوجيّته: إنّه رقيّ الفكر الإنسانيّ من صدق مشاعر تجاه الذّات( الأنا) و الآخر، تجاه الوطن(الصّحراء) متمسّكا بالماضي المجيد متحسّرا على الحاضر "البليد" آملا في مستقبل أفضل و أرقى... و ذلك لن يكون إلّا بالتّشبّث بالأصالة و الأخلاق القيّمة النّبيلة فيتحقّق علوّ الذّات و رفعتها في المقابل تنطفئ جذوة اليأس و القنوط و المتاهة العظمى التّي تهيمن على نفسية شاعرنا...
إنّنا أمام مدرسة شعريّة حافلة بالمفردات الممشوقة المختارة و بالدّلالات و المعاني الرّافلة في الوجوديّة، تأخذنا عبر المعجم الدّينيّ حينا و الأخلاقي حينا أخرى (مدينة الأخلاق من منظور فلسفيّ) لنحلّق في سماء كون من نوع خاصّ قدّ من معجم الطّبيعة بما هي البقاء و الانتصار للأرقى و الأجمل... بقاء القيم و الأخلاق و التّرفّع عن السيّئات و الكره و الحقد... هو حبّ البقاء و التّشبّث بإنسان ينتمي إلى عصر يكتنفه الرقيّ، في مكان جدّ أرقى: إنّه الوطن، وطن يسري في البدن كما تسري الدّماء في العروق.
"تأمّلات في تراتيل النّاقة" ديوان مشبع بعدّة قيم نبيلة من خلال قصائده المحكمة البناء و الصّور الشعريّة البديعة و اللّغة المميّزة جعلته ديوانا في غاية الرّصانة و الصّدق...
سنقوم بدراسته وفق النّقد الذّرائعيّ كنظريّة جديدة لصاحبها عبد الرزّاق عوده الغالبي، و هي نظريّة علميّة تحليليّة علميّة تعتمد على مداخل محدّدة و علوم نفسيّة و نظريّات فلسفيّة في تحليل النّصوص الأدبيّة، هذه المداخل سنأتي عليها بإذن اللّه في ديوان "تأمّلات في تراتيل النّاقة" للشّاعر الفذّ الدّكتور "أحمد مفدي".
في البداية سنتعرّف على شاعرنا:
-التّعريف بالشّاعر:
أحمد مفدي:
-أديب و شاعر مغربي من مواليد 11نوفمبر1948 غفساي في جهة فاس مكناس في شمال المغرب، تقع في جبال الرّيف.
-عضو اتّحاد كتّاب المغرب منذ عام 1973
-حاصل على دبلوم الدّراسات العليا(دكتوراه السّلك الثّالث) في الآداب و العلوم الإنسانية من جامعة سيدي بن عبد اللّه بفاس سنة(76/1/ 1975)
-في سنة 89/90 حصل على دكتوراه دولة في الآداب و العلوم الإنسانية من جامعة محمّد الخامس بالرّباط.
-سنة 1975 حصل على الإجازة في العلوم القانونيّة.
-أستاذ التّعليم العالي.
-أشرف و أطّر و ناقش عشرات الدّكاترة.
المسار الجمعويّ:
-مؤسّس و رئيس جمعيّة النّهضة القرويّ
-رئيس الاتّحاد العام لطلبة المغرب(فاس)
-أسّس جمعيات كثيرة رياضيّة و اجتماعيّة و ثقافيّة.
-عضو في منظّمة الآداب الإسلامية العالميّة.
المسار السّياسي:
-له مسار طويل في التّأطير و التّكوين في مجال المدن المغربيّة.
-مفتّش حزب الاستقلال بفاس و عضو اللّجنة المركزّية أيّام الزّمن الجميل للسّياسة.
-أنتخب نائبا لرئيس المجلس البلدي لمدينة فاس.
-أنتخب رئيسا لجماعة زواغة الحضاريّة.
-أنتخب رئيسا للمجموعة الحضريّة لبلديّات فاس 1992 حيث أسّس ربيع فاس للشّعر العربي.
-نائب برلمان لأكثر من ثلاثة عقود.
من آثاره:
1)من البحوث:
-الشّعر العربي في الصّحراء المغربيّة جذوره التّاريخيّة ظواهره و قضاياه في ثلاث أجزاء.
-تحقيق و تقديم ديوان الأبحر المعينيّة في بعض الأمداح المعيْنيّة للشّيخ الأديب النّعمة ماء العينين في أربعة أجزاء.
-الرّحلة البغداديّة(تسع ليال في بغداد)
-شعراء النّهضة و أعلام الفكر في صحراء المغرب ما بين القرن السّابع عشر و التّاسع.
-مئات القصائد الّتي نشرت في المنابر الثّقافيّة و ملاحق و مجلّات داخل الوطن و خارجه.
2)في الشّعر:
-من قفر السّماء 1969
-في انتظار موسم الرّياح 1972
-الوقوف في مرتفعات الصّحو 1990
-صهيل العشق 1996
-قطوف الوجع(شطحات الإفتاء)
-تأمّلات في تراتيل النّاقة 2014
-سيّدة الإشراق 2015
-يا ريح الجنّة هبّي 2015
-شطحات ديك الجنّ 2016
-هودج العشّاق 2018
-الفطماء 2018
-أنا من أكون 2018
-لباس الشّفوف 2018
-مقامات العاشقين 2019
3) في الإعلام:
-أنتج ثلاثة برامج ثقافيّة لإذاعة "فاس" طيلة عشر سنوات و هي:
أ-بيوت اللّه
ب-هذا الكتاب
ج-من أقوال العرب
كلّ برنامج استمرّ ما يزيد على ثلاث سنوات.
إنّ النّظريّة البراغماتيّة تعطي النّصّ الأدبيّ و الشّعريّ قيمة مختلفة من نوع خاصّ. معتمدة على مراحل علميّة و نفسيّة لذلك سنبرز:
1)البؤرة الثّابتة للدّيوان:
إنّ ديوان "تأمّلات في تراتيل النّاقة" يدعونا إلى الغوص في ذات الشّاعر المترعة أوجاعا الرّافضة لكلّ ما هو موجود في تلك الحقبة الزّمنيّة (2014) و ما عاشته الإنسانيّة من فقد للقيم و الأخلاق و العروبة.. فيحملنا معه على مركبة مجاديفه اللّغة المميّزة المكتنزة رموزا و دلالات بصور جماليّة غاية في الحبكة و الحنكة بذات الوقت.
إنّه الاستغراق الذّهني أو الحالة الّتي كان عليها مستسلما لذكريات ماض تليد... فيبدو اتّصالا إلهيّا عن طريق الإشراق الوجداني لكواكب مصطفّة بهيئة ناقة مع تناسق المفردات و المعاني. نلاحظ أنّ شاعرنا "يؤثّث عالمه الشّعريّ كما يراه متحدّيا جمود الواقعيّة السّطحيّة المباشرة بفعل الخيال السّاحر و الرّؤية الشّعريّة الجديدة فإذا القصيدة بوح كوني و مناجاة صوفيّة تسمو بمفردات الكون في عروج مدهش."(1)
إنّه يمرّر لنا عاطفته و مشاعره الصّادقة و الفيّاضة و ذاته الحاضرة (الذّات العليا) الواعية
و الّتي هي على يقين تامّ بما يحيطها فلا تنصهر فيه بل ترفضه و تدعو إلى الصّحو... فإذا كونه الشّعريّ قد قُدَّ منه العالم: الصّحراء، النّور، الظّلام، الأرض، الماء... و كينونة الأنا تُظهر الذّات المتكلّمة محورا أساسيّا بدلالة البوح... نستنتج أنّ هذا منحى صوفيّ تتحلّل فيه أنا المتكلّم بفعل العشق فيما يضمّنه الكون الشّعريّ...
إنّ شاعرنا قد وظّف انزياحات و استعارات و تشبيها غاية في الرّوعة فإذا بنا نلمس مفردات من المعجم الدّيني (توظيف مفردات من القرآن الكريم) و الأسطورة أحيانا و الفلسفة أحيانا أخرى فيحيلنا ذلك إلى تعرّف عمق تجربته إضافة إلى أسلوبه المباشراتي تارة الرّمزيّ تارة أخرى...
الدّيوان جملة من الصّور الشّعريّة الملغّمة لغة راقية، أسلوب خاصّ يجعلنا نحلّق معه في حقل المشاعر الصّادقة المحمّلة بالقيم و الأخلاق السّامية حيث يرفض السّائد من سحت و زيف
و ظلم: إنّه يعيد للشّعر ألقه فنستحضر البحتريّ حين قال:
و الشّعر لمحٌ تكفي إشارته و ليس بالهذر طُوّلت خُطَبُه
إذن نحن أمام "تأمّلات لحظة مشبعة بالألم و الوجع العربيّ، هو يقوم على استجلاء الماضي
و استنطاق الحاضر العفن الّذي يهيمن فيه الجاهل و يسود المأمور و هو كذلك النّبوءة بالمستقبل."(2)
إنّ كلّ هذه العوامل من لغة و صور شعريّة و دلالات و معاني مؤجّلة جعلت من الدّيوان كنز للمكتبة المغربيّة و العربيّة... حيث جاءت قصائده رصينة ممتعة ، هي رحلة في عرسات الوجود تستهدف تقوية الهويّة تأسرنا بين سطوره في مكان حاضر بإطناب (الصّحراء) كالطّود المنيع.
2)المدخل البصريّ:
" تأمّلات في تراتيل النّاقة" ديوان شعريّ للدّكتور المغربي الشّاعر "أحمد مفدي" من الحجم المتوسّط ورد في مائة و سبعة و أربعين صفحة، تضمّن عشر قصائد و هي: 1-تراتيل النّاقة في خرائب المعبد. 2- فكّر لي فأنا لا أفهم. 3- أطلال حمص و حواريّة الجبلين. 4- الأحذية السّوداء و أعراس العرب. 5- واحات أشجار الملح في الزّمن الآتي. 6-عشّ القبّرة و بوّابات الرّيح (جزء1). 7- عشّ القبّرة و بوّابات الرّيح (جزء 2). 8-أميرة القتلة. 9-خيمة المجذوب و أحباب الألق (جزء1). 10- خيمة المجذوب و أحباب الألق (جزء 2).
صدر الدّيوان عن مطبعة آنفو-برانت سنة 2014.
قبل الولوج إلى محتوى الأثر نتوقّف عند الغلاف حيث تظهر لنا لوحة فنيّة احتوت صحراء لم تكن رمالها صفراء ذهبيّة بل بألوان ترابيّة (البنيّ و درجاته) مع وجود بقعة لأزرق سماويّ في أعلى اللّوحة يمينا، كأنّي بها بقعة من السّماء في صحراء وقت الغروب، مع وجود ظلال لنوق تسير متّجهة نحو اليمين و قد كُتب عنوان الدّيوان باللّون الأصفر بما يحمل هذا اللّون من معاني و رمزيّة كالغيرة و المحبّة المفرطة لهذا المكان (الصّحراء). فالصّحراء بما هي أرض واسعة فقيرة الماء هي مناطق شاسعة لا نبات بها تملؤها الكثبان الرّمليّة تسير فيها خمس نوق نحو اليمين و على ظهرها أناس مختلفة الشّكل و الحجم: قد تكون لأطفال أو لنسوة أو كهول...
على هذا الأساس نسجّل حسن انتقاء اللّوحة فتبدو موظّفة أحسن توظيف لتأخذنا إلى عالم التّأمّلات في تراتيل النّاقة...
عنوان يبعث فينا حيرة و رغبة جامحة لإيلاج أغوار هذا النّصّ و نحن نروم إيجاد إجابة أو إجابات لأسئلة تصطكّ و تصطدم بالذّهن، أَ ليس شاعرنا هو المتأمّل؟؟ ففيما يتأمّل تحديدا؟؟ خاصّة و أنّ اسمه كتب بلون الصّفاء و النّقاء بلون الأبيض الهادئ ليكون الضّمير المضيء بين سطور الدّيوان... إنّه المتأمّل في هذه الكوكبة من النّوق المارّة من أمامه... فلماذا ظهرت خمس نوق تحديدا؟؟ و لماذا اختلفت الظّلال؟؟
"تأمّلات في تراتيل النّاقة" جملة اسميّة مركّبة، المبتدأ: تأمّلات، الخبر ورد مركّب جرّ
و مركّب إضافي في نفس الآونة ليوضّح لنا لمن هذه التّراتيل؟ إنّه تأكيد و إقرار الموضوع المتّصل بالتأمّلات، فتأمّل في الأمر بمعنى تدبّره و أعاد النّظر فيه ليتحقّقه و هذا الأمر جاء محدّدا: إنّه تراتيل النّاقة، فالنّاقة أنثى الإبل و الّتي يصر ضرعها و لا تحلب أيّاما حتّى يجتمع اللّبن في ضرعها ليظنّ من يريد شراءها أنّها غزيرة اللّبن، نجدها تدرّ علينا تراتيلًا...
أمّا التّراتيل اسم، جمع ترتيلة، مصدر رتّل و هو تجويد رعاية مخارج الحروف و حفظ الوقوف و إرسال الكلمة بسهولة و استقامة، و لئن كان المتعارف عليه هو ترتيل آيات الذّكر الحكيم و تأديتها بتلاوة منغّمة و بصوت حسن و أداء متواتر يختلف عن التّجويد...
فإنّ شاعرنا يحيد عن المألوف ليكون التّرتيل للنّاقة، هذا الحيوان الدّال على الصّبر و الجلد يصدر عنه ترتيلا... فما الّذي سيرتّله؟؟ أَ و ليس عبورها في جماعة يتبع بعضها البعض الآخر ترتيلا؟؟
إنّنا أمام عزف منفرد لشاعر موسيقار من نوع خاصّ يضعنا أمام كونه الشّعريّ الخّاص من البدء ليكون الإهداء في حدّ ذاته بؤرة تتكدّس فيها عدّة معان لها علاقة وطيدة بما حواه الدّيوان و طوّقه: إنّه إهداء للعقول المرهقة المتعبة المتمعّنة في هذا الوجود و إلى الخانعين الخائفين و إلى الّذين انصاعوا للأوامر فلا عقول و لا رأي لهم... عساه يبحث عن العقول المتنوّرة الرّاصدة الفاعلة في التّاريخ؟؟ فلم يهمل الإنسان مهما كانت درجة فعله في الحياة.
إنّ الدّكتور "أحمد مفدي" يكشف لنا بوضوح غريب محور اهتمامه: فتنكشف من خلال عناوين القصائد الّتي يتضمّنها الدّيوان: إنّها ألواح عشر تنطلق من تراتيل النّاقة في خرائب المعبد لتنتهي عند خيمة المجذوب و أحباب الألق، تنطلق من التّأمّل في خراب المكان( المعبد) هذا النصّ جاءنا في خمس صور شعريّة دلاليّة و تمتدّ الصّور الشعريّة في بقيّة النّصوص لقرابة العشر صور حينما نصل إلى خيمة المجذوب أحباب الألق في جزأين، كان المكان حاضرا بإطناب ( القرية، الأحراش، حوشه..) لينتهي إلى الوطن. هذه الصّور الشعريّة الواردة بالقصائد العشرة تتراوح بين الخمسة و العشرة صور كأنّي به يتمسّك بالفرائض الخمس للإسلام و بالألواح العشر...
إنّ رصدنا للمشهد الظّاهريّ و الشّكليّ للأثر يجعلنا أمام مسرحيّة شعريّة ذات عشر فصول متماسكة مترابطة المعنى بحبكة و دراية عميقة للشّاعر، متلائمة الألفاظ و المفردات و السّياقات الشّعريّة...
حيث أنّ الدّكتور مفدي قد جعل حرف الهاء الضّمير المتّصل للمؤنّث الغائب يلحق آخر الأفعال و الأسماء قافية تطغى على أغلب قصائده، فأسند أغلب الأسماء و الأفعال لضمير غائب مؤنّث جاء في 54 مفردة( يشربها، يسكنها، أتعبها، أسراها، مأواها، معبدها، دحّاها، خطاها، سوّاها، تقواها، رؤاها، صداها، يسلّيها، يعزّيها، لظاها، لماها...) بينما تأتي الأفعال المسندة لضمير المتكلّم: أنا، في مرتبة ثانية بعد ضمير المؤنّث الغائب( هي) ثلاثون مفردة فقط ( يصاحبني، كأسي، يقيني، يميني، وحدي، دواتي، حروفي، إنشادي، حنيني، غيومي، قلمي، تخنقني، جنوني...) مع تكرار عاذلتي (6 مرّات) و ظنوني (5 مرّات) وطني ( 5 مرّات) ليؤكّد لنا قيمة الأنا الذّات العليا و درجة فعلها... و لم تقتصر القافية على هذا الحدّ بل نجد حرف القاف يحتلّ المرتبة الثّانية من حيث عدد المفردات (43 مفردة) مع تكرار كلمة الغسق (4 مرّات) الألق ( 5 مرّات) النّزف ( 3 مرّات) علما أنّ القاف هو الحرف الحادي و العشرين من حروف الهجاء العربيّة و هو في الأصل مجهور أصابه التّهميس في معظم الألسنة الآن و هو أيضا شديد، مفخّم مخرجه من اللّهاة مع أقصى الحنك الأعلى شبيه بحرف الكاف، كما نلحظ أنّ القافية قد جاءت حينا مقطع مغلق ( الأشواقْ، الأبواقْ) و حينا أخرى جاء القاف مقطعا مشبعا ( احترقَا، انفلقَا، النّزقَا، الألقَا) و كثير من الأحيان جاءت القافية مقطع قصير: مرفوع أو مكسور ( الغسقِ، الأرقِ، النّزقِ، الشّفقِ، تغتبقُ، تختنقُ، يحترقُ، تأتلقُ، القلقِ، الودقِ، الألقِ، الحبقِ، الغدقِ، الحدقِ، النّفقِ...) فكان التّفخيم للزّمن (الغسق، الشّفق...) وإعطائه قيمته العليا لدى شاعرنا... إضافة إلى الحالة النّفسيّة الّتي يريد إيصالها لنا: القلق و الاختناق و الأرق..
تجدر الإشارة أيضا أنّ ديوان "تأمّلات في تراتيل النّاقة" قد تضمّن حرف الرّاء كقافية (27 مفردة) و هو الحرف العاشر من حروف الهجاء و هو صوت مجهور مكرّر و من الأصوات المتوسّطة المائعة و يصدر من طَرْقِ طرف اللّسان لحافة الحنك الأعلى عدّة مرّات،
صوتيّا: هو حرف لسانيّ لثويٌّ رخوٌ، ينطق بتكرار الاتّصال و الانفصال السّريعين لكلّ من مقدّمة اللّسان و اللّثّة و هو حرف مهجور لأنّ الوَتَرَيْنِ يُحرّكان الهواء الخارج، فاختار شاعرنا حرف الرّاء قافية لمفردات معرّفة بالألف و اللاّم في أغلبها للتّأكيد على الصّفة و ضبطها:
( القدرُ، القمرُ، الفكرُ، السّهرُ، الوزرُ، البقرُ، الطّيرُ، الوبرِ، الغجرِ، الفجرِ، النّهرِ..) مع استعماله أفعال في صيغة المضارع قافيتها حرف الرّاء: ( تنهمرُ، تنتحرُ، يندحرُ..) مع مقاطع مغلقة
( اتفكّرْ، تتحسّرْ، تطهّرْ، أتفكّرْ)
إنّ شاعرنا الفذّ قد وظّف عدّة حروف أخرى تنتهي بها قافية قصائده على غرار: الميم والنّون و الهاء في خمسة و عشرين مفردة ( الحلم، الكلم، الوهم، العدم، الرّسن، الوسن، العفن، الوطن، إشارهْ، إثارهْ، أمارهْ، قيثارهْ، دوارهْ، مرساهْ، لملقاهْ...) كما وظّف التّاء المغلقة (24 مفردة) مثال ذلك (الخمرةِ، السّدرةِ، الحضرةِ، مترعةٌ، ماكرةٌ، النّاقةِ، بالسّكرةِ، اللّعنةِ، المخمصةِ، الظّلمةِ، مئذنةٍ، سائبةٍ، قرنفلةٍ، ناسكةٍ، كزنبقةٍ، أقنعةٍ...) لنجدها مفتوحة ( سقطت، متاهات، تداعت، نبوءات، انبطحت، الكلمات) ثمّ نجد اللّام ( 16 مفردة ( الوصلْ، تتعجّلْ، فتمهّلْ، الحملُ، الأملُ، دجلُ، التلِّ، الأزلِ، نزالا، سؤالا، وبالا، خبالا...)
كذلك نجده قد اعتمد حروفا أخرى قافية مثل حرف الباء و الهمزة و السّين فالياء و الفاء لينتهي بحرف الجيم الّذي كان أقلّهم مفردات ثلاث فقط، و حرف الجيم هو الخامس من حروف الهجاء و هو مجهور مزدوج و مخرجه من أوّل اللّسان مع الحنك الأعلى و قد يحرّف عن موضعه إلى أقصى الفم فيقترب من الكاف أو القاف و يصبح شديدا كالجيم القاهريّة، و قد يحرّف إلى وسط الفم فيقترب من الشّين أو الزاي و يصبح رخوا كالجيم الشّاميّة.. ( العوسجْ، الهودجْ، لا أتفرّجْ)
أمّا الميم فهو الحرف الرّابع و العشرين من حروف الهجاء و هو مجهور متوسّط و مخرجه من بين الشّفتين و هو أنفي يتسرّب الهواء معه من الأنف.. مثال ذلك أورد لنا الشّاعر ( أوهامْ، الأسقامْ، الأصنامْ، الأزلامْ، هيامْ، الشّامْ، مقامْ، الشمّ، الذّمم، القيَمِ، نغمٍ، تنهدمُ، كالوهمِ، النّدمِ، السّأمِ..) فراوح بين المقاطع المغلقة و القصيرة و الإشباع مع تنوّع القافية... فاعتمد كذلك حرف النّون و هو الحرف الخامس و العشرين من حروف الهجاء و هو أيضا مجهور متوسّط و مخرجه من طرفيْ اللّسان مع أصول الثّنايا العليا و هو أيضا أنفيّ إذ يتسرّب الهواء معه من الأنف مع اللّثة العليا و امتداد النّفس من الأنف ( الوهنِ، الإحنِ، الظّعنِ، الوثنِ، العطنِ، المحنِ، النّهريْن، السّاقيْن، الرّيْن) مع تكرار كلمة الوطن ( خمس مرّات) العفن( أربع مرّات) و غيرهما. و لا يفوتنا ذكر حرف الألف كقافية أوردها شاعرنا همزة في آخر المفردة بعد مدّ ( الأنواءْ، الأملاءْ، البيداءْ، الورقاءُ، البدءِ، الأضواءِ)
إنّ تنوّع القافية أحدث عزفًا من النّوع الخاصّ تفرّد به شاعرنا فبدا عزفا مترعا بالوجع و الألم ببعض الأمل حيث جاءت مفردة أحلام مرّة واحدة و كذلك الأمل في حين كانت الغلبة لمعجم المشاعر من ألم و أسى( الهلع، الوجعِ، حزينهْ، صناعهْ، الفقراءْ هباءْ...) و تنوّع هذه القوافي بين المدّ و التّقصير تخلّله النّداء المباشر في عدّة مناسبات:
"كيفَ الملقَى يا عاذِلتِي..." ص 22 (أ)
"يا عاذِلتِي...
عنْ مسْرايَ إذا المدُّ تحدّى
سورةَ ذاتي... ص24 (أ)
و يتكرّر النّداء" يا عاذِلتي" ص 26/ص 28/ ص31/ ص 36 و نجد أيضا تكرار للنّداء المباشر: " يا قبُّرَةَ الوادي":
هل ترضيْنَ...
يا قبّرةَ الوادي إنْ
قبسَ اليومَ رَعاةُ الأفلاكِ شِهَابًا
منْ أنْؤُرِ هذا الدّفْءِ المسجورِ
إذا صارَ يبابا...؟ ص 22 و كذلك يتكرّر نداء يا قبّرة الوادي: ص 93/ ص 95/ ص 99 ، هذا و نلمس نداء مباشر يتوزّع على كامل صفحات الدّيوان: "يا نخلة حمص" ص 41/ "يا ابنة عاتكةٍ" ص 46/ "يا جبل الشّيخْ" ص 49/ "يا حمص" ص 55 و ص 56/ "يا أممٌ" ص 60/ "يا عفوَ التّاريخ" ص 64/ "يا أحذية الجند" ص 66 / "يا قبّرة النّسيان" ص 100/ "يا سارية الجند" ص 116/ "يا وطني" ص 133 و ص 137/ بينما يكرّر النّداء "يا سيّدتي " عدّة مرّات:
"يا سيّدتي...
إنّي لم أرَ في الملْهى...
أو في صُحُفِ التّاريخِ
و قدْ نُسِختْ...
قاتلَ أمْلاءِ النّهرِ" ص 115 (أ)
كما نجد "يا سيّدتي " تكرّر في الصّفحات التّالية: ص 117/ ص 118/ ص 119/ ص 120
"يا سيّدتي...
إنّكِ في الكأسِ تَغُوصينَ
كسَائحَةٍ تسْبَحُ في الأضْوَاءِ...
و ترْشِفُكِ الأَنْسامُ كَعَيْنِ غَزالهْ... ص 139
تنوّع النّداء المباشراتيّ ليدخلنا إلى كوامن ذات الشّاعر، الذّات المتقلّبة المتألّمة المترعة حيرة، بحثا عن التّغيير، عن النّسيان، عن الرّسوخ في الأصالة و التّشبّث بالمكان:
"يا حمصُ جفوني تسكنها الأملاءُ" ص 55 (أ)
"يا وطني...
فانْداحتْ فيكَ سقاماتُ البرْدِ
علّ العابرَ يسْبُرُ ذاكرةَ التّاريخِ...
و ينتشلُ الشّرفة منْ نارِ المسدِ... ص 137 (أ)
من خلال هذا النّداء نجد جملة من الأسئلة الاستنكاريّة التّي تضمّنها الدّيوان و هي تكشف عن موقف الشّاعر الرّافض لما هو موجود إذْ يقولُ:
"هل كنتُ أنا المُشتاقَ بوادي النّاقةِ
و الفجرُ أتى يتجسّسْ...؟
إذْ قالَ مُزاحٌا...
من يُرْقِلُ ناقتَهُ...؟
هلْ أسقي ظمأ الغيمِ مفازاتٍ تسْكُنُها
هَسْهَسَةُ النّخْلَةِ حتّى
هزّتْ في الحضرةِ
أعراشا منْ سعفِ الشّمسِ" ص 8/ ص 9 (أ)
و نلمسُ عدّة أسئلة استنكاريّة: "هل ترضيْن..." ص 22/ أَيُغازلهُ...؟ ص 25/
"هل يلتقطُ التّاريخُ الدّاعرُ بعضَ شظاياها...؟
هل يُسْمعُ من يعْشَقُ-في مسراهُ-الصّمما...؟ ص 52 (أ)
"أَتطلّ على أكتاف سُقاةِ الممشَى
من مرجِ البحر...؟" ص 78/ "أرُؤُوسُ شياطينِ ذُؤَيْباتِ الجنّ تداريها...؟.." ص 79 (أ)
"أَ تعاتبُ حُرّاسَ العدمِ..؟ ص 82 (أ)
" هل تشتعلُ الذّاتُ إذا حلّتْ
في ذات الصّفوةِ ممّن وصلُوا...؟ " ص 83
"من قال الحارس يسرقُ شقشقة الصّبحْ...؟" ص 85 (أ)
" لكن هلْ يأتي
من خاض البحرَ بلا سفنِ...؟ "ص 92 (أ)
" هلْ تدرينْ
أنَّ وِساداتِ الأفْلاكِ
نجومٌ تتلوَّى حَلزونًا...
إيلامًا...
و تؤُزُّ الحيطانَ منَ الوجعِ..؟" ص 96 (أ)
كما نجد مواطن أخرى لأسئلة استنكاريّة: ص 98/ ص 108/ ص 109/ ص 111/ ص 116/ ص 120/ ص 121/ ص 125/ ص 127/ ص 130/ ص 137/ ص 140/ ص 144.
و كان التّشبيه حاضرا متوّجا القصائد يزيدها بهاء بمفردات بديعة من معجم الجمال انتقاها شاعرنا ( كالنّسمة، كفراشات طفولة، كالنّورس، كزنبقة، كعين غزالة، كالطّفلة) مع مسحة الألم المنتشر بين سطور الدّيوان: كخرائب ص 70/ كالبركان ص 63/ كالطّفل المذعور ص 79/ كالأشباح/ كالوهم ص 131 (أ)
هو الإنسان الّذي يتأمّل الواقع المرير، الممتزجة مشاعره بين الجمال و القبح، بين الأمل و اليأس، بين التّمسّك بتلابيب ماض مجيد و حاضر مؤلم، الإنسان يعيشه بلا هويّة، بلا عروبة، بلا وطن، لكنّ الأمل في غد مشرق مرتسما بلا شكّ...
3)البيئة الشّعريّة:
إنّ الظّروف الّتي عاشها شاعرنا في تلك الفترة قد أثّرت أيّما تأثير فانعكست بين سطور "تأمّلات في تراتيل النّاقة" و لا سيّما تلك الحقبة التّاريخيّة سنة 2014 و ما سبقها، حيث عاشت بعض الدّول العربيّة آنذاك ثورات و تغيّرات سياسيّة و لعمري ما عاشته سوريا (حمص) كان له بالغ الأثر على نفسيّة شاعرنا فكان الوجع مضاعفا و هو الإنسان الواعي المحنّك حيث كان له مسارا سياسيّا طويلا في التّأطير و التّكوين... هو مؤسّس ربيع "فاس" للشّعر العربيّ... هو ابن مدينة " فاس" تحديدا مدينة "غفساي" و هي مدينة تابعة لإقليم تاونات في جهة "فاس" مكناس في شمال المغرب، و تقع في جبال الرّيف، هي مدينة يغلب عليها الطّبع القرويّ، محاطة بمجموعة من التّلال و الجبال المكسوّة بأحراش و غابات تضفي عليها جمالا و رونقا خصوصا خلال فصل الرّبيع، و تشتهر بالتّين و الزّيتون و بالفنّ الشّعبيّ الشّمالي، يعرف أناسها بالطّيبة و الكرم، هذا المكان الّذي نشأ فيه شاعرنا إضافة إلى دراسته و تخصّصه و مساره السّياسيّ و الجمعويّ جعله يطلّ علينا بهذا الدّيوان (سنة 2014) و قد كان آخر أثر له "صهيل العشق" الصّادر سنة 1996 فكان الإطناب في الألم و الحسرة على واقع العالم العربي ما فجّر قريحته و هو صاحب البرامج الثّقافيّة طيلة عشر سنوات.
لا يفوتنا أن نعرّج عمّا حدث آنذاك في العالم و في العالم العربي خصوصا، سنة 2014 هي سنة الأوجاع، حيث تعلن قوّات الدّولة الإسلاميّة في العراق و الشّام السّيطرة على مدينة الفلّوجة و أجزاء من مدينة الرّمادي في محافظة الأنبار، أمّا في غرب إفريقيا فقد انتشر وباء أودى بحياة الكثير، و كانت سنة بداية الاحتجاجات البحرينيّة أو ثورة البحرين( 14 فبراير) كما شهدت عدّة كوارث و أمراض ( شلل الأطفال بالعراق و سوريا ) و انفجارات في نيجيريا ( مقتل 118 شخص) ثمّ سقوط طائرة الخطوط الجويّة الجزائريّة و مصرع 116 راكب...
كما شكّلت سنة 2014 " مسارا سياسيّا و أمنيّا مضطربا في ليبيا، و انسداد بالمشهد السّياسي بالجزائر و سعي لتجاوز المرحلة الانتقالية في تونس و محاولة لإنجاح تجربة شراكة الإسلاميين مع الملكيّة بالمغرب و ديمقراطيّة بعباءة عسكريّة في موريتانيا، و أوضاع أمنيّة معقّدة تجلب خيارات خارجيّة عسكريّة إلى المنطقة تلك محصّلة المشهد في المغرب العربي."(3)
لقد عرف المغرب أحداثا استثنائيّة خلال عام 2014 على المستوى الأمني و السّياسيّ حيث عاد شبح الإرهاب نظرا لتدهور الأحوال الأمنيّة في بلدان الجوار خاصّة ليبيا، فرفع المغرب حالة التّأهّب الأمني إلى أقصى درجاتها منتصف شهر أغسطس (آب) و ما فتئ هذا البلد يحذّر من خطر المجموعات الإرهابية في منطقة السّاحل و الصّحراء... كذلك نسجّل الحوادث المفجعة الّتي تمثّلت في وفاة سبعة و أربعين شخصا بسبب الفيضانات في المناطق الجنوبيّة للبلاد...
كلّ هذه العوامل المحيطة بالشّاعر جعلت منه مؤرّخا في قصيدة "أطلال حمص و حواريّة الجبلين" و قصيدة " الأحذية السّوداء و أعراس العرب" واصفا لأحداث واقعيّة، إنّه يكتب لغرض ما و قضيّة معيّنة يريد إيصالها، هو الإيمان بضرورة التّغيير للأفضل رغم شحنة الوجع و الألم.
4) الاحتمالات المتحرّكة في النّصّ: شكلًا و مضمونًا:
تململ وجعا ممزوجا بالحيرة و الحسرة فكان بمثابة اتّصال باللّه عن طريق الإشراق الوجدانيّ، متأمّل في أسرار الطّبيعة مستغرق التّفكير فيها، بهمس جميل مؤلم يأخذنا معه و الاستغراب يسكننا: "تراتيل النّاقة" فنستحضر آية قرآنيّة من سورة "ق": "إنّ الّذينَ اتّقُوا إذَا مَسّهُم طائِفٌ منَ الشّيْطانِ تأَمّلُوا." صدق اللّه العظيم. و تنبثق رؤاه للكون و الحياة من معين الذّات الصّادقة الصّافية المتألّمة المتأمّلة، الماسك ناصية اللّغة فانفجر نهر مداه بوصلة تكشف لنا بعض ما تمعّن و ارتاب، متمسّكا بأصوله العربيّة الأصيلة حيث ترتع النّاقة و هي "الزّاهدة" لا تتركُ مرعاها" ص 10 (أ)
إنّ ابن المروج المخضرّة يميل إلى طقس الجنوب فينتقي منه مفرداته (النّاقة، النّخلة، الشّيح...) هي اللّوحة الّتي أراد رسمها فأبدع الرّسم. الإبل و النّخيل هما الأكثر تحمّلا و تكيّفا مع البيئة الصّحراويّة، و تتحوّل النّاقة إلى مثال الصّبر و التّحمّل و التّكيّف مع الصّحراء، هي رمز لكلّ ما هو نبيل و ما هو مأساويّ في خضمّ تلك الحياة و ما هو رمز الحنين، فالنّاقة حيوان رؤوم لا تطيق فراق حوارها و لا أليفها، لذلك نجد أغلب الشّعراء يبثّونها مكنوناتهم، فأمكننا القول هنا بأنّه "شكّلت الإبل وعينا اللّغويّ و ذوقنا الأدبيّ و حسّنا الجماليّ و لنا شعراء تغزّلت بها من طرفة إلى الرّاعي النّميري إلى ذي الرّمة إلى العجّاج إلى ساكر الخمشي إلى خلف أبو زيد، فلا ننسى أجمل ما في القصيدة الجاهليّة ذلك المدخل الّذي يسمّونه الرّحلة أو وصف النّاقة و الّذي يسمّيه شعراء النّبط (الإركاب)(4) و هنا يصرّح لنا شاعرنا عن الحمل الذي أرهقها و أتعبها:
"السّنمُ الأسْنَى حمْلٌ أتعَبَها... ص 12، رغم تحمّلها و هي الّتي تتميّز بقدرتها على العيش و البقاء في بيئات شحيحة الموارد لا تستطيع غيرها من الحيوانات العيش فيها. إذن الإبل و معها النّخيل هما الأكثر تحمّلا و الأقدر على التّكيّف مع بيئتها الصّحراويّة و تربتنا الفقيرة و مناخنا الجاف.
قال تعالى: " أَفَلَا يَنْظُرُونَ إلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ." ها هي تتوجّع إذْ:
"تحكي عنْ فَزَعِ الأحْلَامِ و تَسْتَبِقُ الأفْلَاكَ/ لمنْفَاهَا" ص 13 (أ)
"النّاقةُ مأمورهْ...
فدَعُوهَا
قدْ تُوغِلُ في الْبيْدَاءِ، و ترْكَبُهَا
فِي السَّيْرِ هَواجِسُ ماكِرَةٌ..." ص 14 (أ)
هي الثّكلى فتفوق درجة تحمّلها و صبرها مداه فلا تستطيع التّحمّل: "هاربَةً، أَتَعُدُّ خُطاهَا...؟ " هو عدم قدرتها على تحمّل التّعب الوجوديّ و الأرق فيتحوّل مرعاها قيودا و سلاسل تكبّلها، هي المتشبّثة بالمكان: "لا تترُكُ مرْعَاها..." ص 10، بيد أنّ المكان قد بات محظورا:
"أَحِماهَا محظُورٌ...؟
لا تُدرِكُهُ العَيْنُ" ص 11 (أ)
تصبح العاجزة الضّعيفة " لا تعرف كيف تصدُّ الصَّخَبَا..." ص 17 فيصرّ لنا الشّاعر بضرورة تركها على حالتها الأولى، البدائيّة فلا حول لها و لا قوّة:
" فدعُوها
بخَرَائب معبدها ترعى" ص 18 (أ)
ما كانت النّاقة سوى بعض العرب الهائمين و ما كان سوى انزياح لغويّ انتقاه دكتورنا ليرسم لنا رحلته الوجوديّة في تلك الحقبة الزّمنيّة، و هو النّاهل من منابع العلم و المعرفة يعتريه الوهم و التّيه، تعتريه الحيرة فيهجره العقل الرّاجح" المفكّر" و تسكنه الآهات و الزّفرات فيقول:
"فكّرْ لي... إنْ كُنْتَ حَزينًا...
وَ يَقِينًا..." ثمّ يواصل البوح:
"فأنَا مَحْشُورٌ
في زاوِيَةِ الْوَجْدْ...
أتَسَلّلُ مَخْفِيًّا في غَيْمَةِ إسْرَاءْ..." ص 21 (أ)
أتعبته الحياة، اللّغة المغموسة في السّهوِ، العادات، الظّلمة، لكنّه يبحث عن بقعة ضوء، ومضة أمل:
"إنْ هَرَبَ الضّوءُ منَ الأقمار سدًى...؟
و انْدَسَّ كأفْعَى في المَسْطُورِ، فدُلِّينِي
عنْ سَفَنٍ...
كيْ أعْبُرَ بالأشْهَى
منكِ إلَى وَطنِي" ص 23 (أ)
لقد تحمّل أوزار الوجع الوجوديّ لكنّه انتفض شبقا للحلم، للأمل و يحاول أن يعيد للشّعر مجده التّليد فمن ذاته تنطلق "بشائر الإصباح"، هو الرّافض لحال العرب ينتفض و يحاول كشف المستور (الوجع، الألم) بأسلوب استنكاريّ استهزائيّ يعلن:
"يا عاذلتي..
كلماتي انتفضت
في الحومة كيْ لا
تسكُنَ أصقاعَ مجازِ الحُلُمِ..." ص 26 و يورد لنا حوارا بينه و بين "عاذلته" فيسأل:
" هل تدرينَ
-إذا عُدْتِ غداةَ السّكْرَةِ شارِدَةً
منْ باعَ الكَأسَ و في
فمِهِ ملْعَقَةٌ منْ حِمَمٍ...؟" ص 27 (أ)
لكنّ شاعرنا وسط هذا الألم و الإدراك بما هو موجود يفقد النّطق، الكلام:
"فأنا الأخرسُ
لا أعرفُ كيفَ أحدّثُ ذاتي..." ص 28 (أ)
هو الشّاعر المتألّق المتكلّم صاحب الحرف المتميّز، هو الدّكتور الفذّ يعجز عن الكلام: "شفتايَ تحَمّلتا أنواءَ بهاءِ الكَلِمِ...» ص 26 فلماذا هذا النّفور؟؟
لقد اختار الصّمت، إنّه المترع بالآلام و الحزن يركن للصّمت حيث يرى لا فائدة من الكلام فيحطّم أقلامه:
"قد حطّمت الأقْلامَ مساءً...
و توارت في وهنٍ
بسديمِ العِشْقِ دواتي...
فمشَيْتُ حثيثًا
خلف غُبارِ الوَهْمِ الهاربِ منْ
مأوى، أسكنتُ به بعضَ سُباتي..." ص 29 (أ)
قمّة اليأس و القنوط قد بلغهما الشّاعر فتزداد و تتوالد حيرته و تعبه فلا فائدة ترجى من الشّعر أو الكلام و لئن كان لزاما النّسيان كطهر للرّوح المتعبة، يقرّ أنّ الفكر الواعي بما يحيطه هو المتألّم: "الفكرُ وَباءٌ و عناءْ" ص 32 و مع ذلك يتفاقم ألمه و يعظم خاصّة أنّ النّاس، القوم في جهلهم يرتعون: "القوم نيامٌ، و الحبل تراخى...
و أنا وَحْدي..." ص 32 (أ)
إذا، سبب ألمه و وجعه الدّفين هو وعيه بمصير الآخرين " و تاريخُ الأمّةِ صار مزاداتِ اللّعنةِ و القومةُ تنتحرُ" ص 34 (أ)
إنّ ما أسلفنا ذكره من حالة الوطن العربي في تلك الفترة ( سنوات 2012و 2013 و 2014) هو ما سبّب له الألم، حالة الوجع العربي تلبّسه الشّاعر فيغوص في أعماق ذاته:
"أخرجني من حيرة هذا الزّمن المَسْبِيّ" ص 35 "الحيرة تخنقني" ص 36 "إنّي لا أعلمُ " ص38 (أ)
-أطلال حمص و حواريّة الجبلين: هو وقوف على أطلال المجد لمدينة قد تحوّلت " فانكسر فيها الفرح

الجزء الثاني من الدراسة الذرائعية للناقدة التونسية ابتسام الخميري 
5)التّيمة و مقياس الدّقة في الإبداع الشّعريّ:
لا شكّ أنّ مبدعنا قد تشرّب عشقا لوطنه حدّ الهوس، تغلغل الماضي في عروقه كالدّماء، تشبّث بالعادات و التّقاليد، بالقيم النّبيلة، فحمل مصيره راية و انكتمت الآهات و الجراح غائرة، إذ ينظر أوجاعه و يتأمّل ليرى على مدى البصر أوجاع الوطن العربي تنسكب ممتزجة بالدّماء
و الدّموع... و هو المرهف الحسّ المدرك للعوامل المحيطة به، فانبرى يئنّ و يتألّم حينا و يرسم الواقع كمؤرّخ أمين حينا أخرى... و يتنبّأُ بمستقبل غير واضح المعالم كنبيّ يأمل في صحوة إنسانيّة عساها تشرق؟؟؟ بين الوجع و الأمل شعورا عاشه شاعرنا و هو المحشور في الألم ينتفض، " كي يعبر في الفجر".
مشاهد واقعيّة غاية في القتامة و الشّجن حرّكت الوجد، العاشق ليئنّ، فكانت " تأمّلات في تراتيل النّاقة". و لعلّ المستقبل أفضل؟؟ قدّم لنا عملا محبك اللّغة و متعدّد الصّور، خاصّا به ضمّنه رؤاه الفكريّة و الإيديولوجيّة.
أ-مقياس نقد المعنى:
لا ريب أنّ " تأمّلات في تراتيل النّاقة" هي خلجات نفس الشّاعر المترعة صدقا عندما نضعها تحت مجهر نقد المعنى وفق النّظريّة الذّرائعيّة، و من هذا المنطلق نجد ثلاث مقاييس لها أهميّة بالغة في علاقة وطيدة فيما بينها لا تنفصل عن بعضها:
°مقياس الصحّة و الخطأ: المؤكّد أنّ شاعرنا قد ذكر لنا بصور شعريّة واقعا قد أحاطه في تلك الحقبة الزّمنيّة بكلّ تفاصيله، من وجع عربيّ و وجع خاصّ تجاه وطنه المغرب، فكان صادقا في مشاعره دون زيف أو خطأ، و الجدير بالذّكر أنّه رسم لنا أوجاعه و آماله بكلّ صدق. حيث يمكننا أن نستحضر الفترة التّاريخيّة آنذاك لنتأكّد من مدى صدقه و ابتعاده عن الخطأ. فبدا كأنّه مؤرّخ حينا و سياسيّ حينا أخرى... بذات حالمة تصبو لغد أفضل و هو المجذوب الشّاعر الواعي و هو رجل السيّاسة المحنّك.
°مقياس الجدّة و الابتكار: الجدّة و الابتكار يبدوَان من خلال عنوان الدّيوان حيث الغرابة
و الإدهاش يسكننا: " تراتيل و النّاقة" انزياح لغويّ مميّز منفرد جديد... فالنّاقة بما تعنيه من دلالات و رمزيّة ( الصّبر، التّحمّل) ترتّل الكلام في تناسق... مع عناصر الإدهاش بين قصائد الدّيوان جعلت من الأثر ابتكارا في عالم الشّعر خاصّة و قد تنوّعت الصّور الشّعريّة لنلامس بعض خصائص الشّعر الصّوفيّ مع تنوّع المعاجم اللّغويّة ( معجم دينيّ، معجم فلسفي...).
تعلّق بالصّحراء و تفاصيل العيش فيها: الخيمة، النّاقة... و هو ابن المروج الخضراء؟؟
الأساليب المختلفة المعتمدة بالأثر من انزياحات لغويّة طريفة جمع فيها بين مضادين ( الدمّ، الحلم/ فاكهة الرّمل/ أشجار الملح...) قد نلمس أسلوب السّرد (قال/ قالت/ قالوا) لم يؤثّر على البنية الشّعريّة بل أضفى عليها نوعا من التّجدّد و الابتكار الخلاّق.
°مقياس العمق و السّطحيّة: حتما كلّ القصائد الّتي تضمّنها الدّيوان ذات عمق و دقّة من حيث المواضيع الّتي تناولها شاعرنا: إنّها قصائد قدّت بلغة غاية في القوّة و التّميّز و الرّفعة برغم وصف الشّعور (الألم و الوجع) هي موغلة في العمق، لوحات فنيّة نقلت لنا واقعا عربيّا مؤلما في فترة محدّدة كأنّي بها كتاب تاريخ يُجسّم ما حدث بتفاصيله، بأوجاعه، فقد حذق شاعرنا فنون الرّسم بالكلمات فشكّل لنا مشاهد متّصلة بالواقع منبثقة من مكنونه عميقة المعنى و هي رسائل موجّهة للقارئ ليتعرّف فترة زمنيّة و من خلالها نتعرّف على إيديولوجيّته، من خلال المعاجم اللّغويّة الّتي اعتمدها... فهو يدعو إلى نهضة و صحوة إنسانيّة في العالم العربي و هو الإنسان المسكون بالماضي المجيد و القيم السّامية و الأصالة يحدوه الأمل الّذي يطفو من حين لآخر.
ب-مقياس نقد العاطفة:
لا يختلف اثنان أنّ شاعرنا القدير ذي القيم النّبيلة و الأخلاق الرّفيعة يملك عاطفة غائرة في الصّدق، فهو الّذي تربّى عليها فامتلك ناصية الأدب، هو العشق السّرمديّ و الوله بعشقه اللّامتناهي لبلده، لوطنه المغرب و هو المسكون بالعطاء على الدّوام.. حملنا معه على متن مركب العشق لنرفل في الماضي و ما حواه من قيم و أخلاق سامية و عادات عربيّة أصيلة و دفعنا إلى أن نُطلّ على الحالة الاجتماعيّة و السّياسيّة، في تلك الفترة، الّتي عاشتها كلّ الشّعوب خاصّة الوطن العربي و تحديدا "حمص" و قد مرّر إلينا عمق عاطفته و صدقها فهو المتألّم الموجوع الملتاع و إن كان للأمل نصيب...
°°مقياس الصّدق و الكذب: ليس هنا مجالا سوى للصّدق و قد لمسناه على مدى قصائد الدّيوان جميعها في تناسق لطيف جمع بينها رغم المعاناة و الحالة النّفسية للشّاعر فهو المشتاق دون شكّ، و هو الشّاعر.. و هو المجذوب... و هو ما تميّز به الشّعر الصّوفي حيث التّعبير الرّمزي و الحبّ الإلهي و الحديث عن باطن النّفس و أسرارها.. فكانت اللّغة و الرّمز و الخيال و الإشادة برجالات الوله من ركائز هذا الشّعر.
°°مقياس الضّعف و القوّة: بدء من لوحة الغلاف و تناسقها مع عنوان الدّيوان نستشفّ قوّة جامحة تجذب إليها القارئ حتّى يتصفّحه و يغوص بين سطوره متسربلا مع اللّوحات الفنيّة المرسومة بكلّ حبكة
و إجادة في انتقاء مفرداتها المزركشة المأخوذة من عوالم مختلفة فتشدّك إليها بكلّ سلاسة و هي القصائد المنغرسة في المشاعر الإنسانية الشفّافة الصّادقة، إنّها قطعا قصائد في درجة عالية من الصّدق، فلمبدعنا " قدرات لغويّة هائلة و إمكانات تعبيريّة فذّة مكّنته من هدي رموز و إيقاع و انزياحات، ضمنت لديوانه أن يتربّع مصاف الإنتاجات الخالدة." (9) و هي جرأة لا مثيل لها إذ يلج هذه المواضيع الحياتيّة.
6)المدخل الجماليّ:
عندما نطبّق النّظريّة الذّرائعيّة في دراستنا لديوان: "تأمّلات في تراتيل النّاقة" لصاحبه الدّكتور الشّاعر "أحمد مفدي"، نجد أنّ المدخل الجمالي و البناء الفنّي هو مدخل جدّ هام حيث نرصد من خلاله الموسيقى و الصّور الشّعريّة و درجة الانزياح نحو العاطفة ثمّ التّجربة الإبداعية و هي المراحل الّتي نروم إتباعها:
أ-الموسيقى الشّعريّة:
لقد حوى الدّيوان إيقاعا موسيقيّا داخليّا و خارجيّا شدّنا إليه فاستمتعنا به و شنّفت آذاننا، ترتيل من تراتيل الوجد الآبق الأخّاذ، موسيقى عذبة سافرنا معها على سلّم الإبداع و التّميّز في عالم الرّوحانيّات، عالم مبهر حيث العشق و الوجد و الصّبابة تعكس لنا عمق الوجع و الألم للظّروف آنذاك... و لربّما مأتاه الوعي بما هو كائن و مدى إنسانيّته و هو القائل: "كأسي مترعةٌ... تشكُو من هجرِ العشّاقِ.."
كان الأثر غوصا في عمق التّجربة الإنسانيّة الخالدة ارتأى إثراء هذه الصّور الشّعريّة بلغة جدّ مفعمة بالمعاني المؤجّلة و الرّمزيّة ذات الدّلالات المتنوّعة التّي تهديك عدّة أفكار و رؤى في كلّ مرّة تقرؤها...
ما كان عزفا قد تعوّنا نوتته و وزنه و إيقاعه، ما كان تمسّكا بقواميس الشّعر و بحوره الخليليّة المتعارف عليها بقدر ما كان عزف منفردا جديدا و الحال أنّه ما ابتعد عن المعجم الدّينيّ فأغلب المفردات قد انتقاها من بعض الآيات القرآنيّة ( ألهَمهَا، دحّاها، تقواها، طغواها، سوّاها..) و المعجم الصّوفي ( المعراج إلى اللّه، المعراج إلى السّدرة، مسراه الأبديّ، راهب الدّير، ناسكة، معبدها الوثنيّ، العاشق، الوجد، الأوردة، ألواحا، المجذوب، أقبية الذّكر، الزّهد، الكهنة، ببردته، فراديس الذّكر...) مع استعمال الأسطورة في مناسبتين( العنقاء، المرأة المستنجدة بالمعتصم: "وامعتصماه")
أ لَسنا أمام معزوفة فنيّة متعدّدة الإيقاعات؟؟ كأنّها معزوفة بيتهوفن الخامسة تأخذنا معها دون استئذان في انسياب جميل هادئ حينا صاخبا حينا أخرى... هو جوّ متنوّع متغيّر... عشق و جمال، بكاء على الأطلال، أمل و يأس، مزيج غاية في الظّرف بين عذوبة الكلمة و جمال المعنى و قد استعمل شاعرنا:
-استعمل السّجع: في عدّة مواطن من الدّيوان نلمس هذا الإيقاع المحبوب المتميّز في الكلمات التّالية: عشيّا/ نديّا/ شهيّا/ حفيّا/ تمسسْ/يتجسّسْ/ الشّمسْ/ اللّمسْ/ تتوجّسْ/ الغسقِ/ الأرقِ/ النّزقِ/الشّفقِ/أتعبها/ أسراها/ مأواها/ لمنفاها/ معبدها/ لمرآها/ بقاياها/ دحّاها/ خطاها/ يهواها/ سوّاها/ تقواها/ أركسها/ طغواها/ إشارهْ/ إثارهْ/ أمارهْ/ قيثارهْ/ دوارهْ/ احترقا/ انفلقا/ النّزقا/ الألقا/ الحلمِ/ الكلمِ...
-استعمل القافية: تكرار حرف الهاء المشبعة (ها) يجعلها مثل رجع الصّدى، مع تكرا ر المقاطع المغلقة السّاكنة و المقاطع القصيرة ( بالضمّ أو الكسر) في أغلب الحروف الّتي اعتمدها شاعرنا.
-استعمل أفعال في زمن المضارع: دلالة على الاستمراريّة و التّواصل الزّمني في الفعل انتصارا منه للغد: إنّه تواصل للحياة: تتنفّسُ، أشيمُ، تُومئُ، تَشكو، أهيمُ، يُرقلُ، أسقي، يتوجّسُ، تَسفي، تفري، تغتبقُ، ترعَى، تُصلّي، تحكي، تستبقُ، تُرتّلُ، تُزبدُ، تزهرُ، تُزمّلُ، ترقبُ، تزّاورُ، أتسلّلُ، أعبرَ، أشتاقُ، ينساحُ، تُفكّرُ، ينتابُ، أحدّثُ، تصحُو، تصبُو، تغازلُ، تؤزُّ، يعبرُ، يلتقطون، يغتبقون..
-استعمل الضّمائر صراحة: ضمير الغائب المؤنّث (هي) ضمير المتكلّم المفرد (أنا) و الجمع ( نحن) ضمير المخاطب المؤنّث (أنتِ) و المذكّر ( أنتَ) كما يبدو لنا في بعض الأحيان ضمير المخاطب للجمع و الغائب (أنتم، هم).
-استعمل زمن الماضي: كان للزّمن الماضي حضورا واضحا جليّا ليوضّح وضعا أو حالة كانت في تلك الفترة: ارتعتِ، قال، قالت، عبرَ، شربتْ،هربَ، اندسّ، باع، حاصرها، صاحَ، مرَّ، احمرّتْ، أزهرَ، غاضَ، انفضَّ، انكسرَ، تاهت، مالت، احترقتْ، بكى، انكسرتْ، فقدتْ، مارَ، مالوا،نضجتْ، ارتشفت، انفرطَ، سمعوا، قرؤُوا...
-استعمل صيغة الأمر: صيغة تدلّ على رغبة شاعرنا الجامحة في التّغيير و الثّورة: دعوها، فكّرْ، دعْني، علّمني، اغْسلْ، عشْ، تكبّرْ، اهنأْ، أخرِجْني، تمهّلْ، كفّي، كوني، اثبتْ، اخلعْ، اخْتبِئي، انْتفِضي، انْتظِري، انْساحي، ارتقبي، قولي، اغْفرْ، تيهي، دَعي، دعيني، احْتَسِبِي.
-استعمل التّشبيه: رام شاعرنا القدير اعتماد صيغة التّشبيه في معنييه الاثنين: الإيجابي و السّلبي قصد إقرار صفة ما يريد إيصاله لنا من معنى: فشبّه "حمص" كالنّخلة، كالطّفلة، كعرجونٍ.. و تواصل التّشبيه في عدّة مواطن بالدّيوان: كالبركان، كأنفاس التّنين، كالأوهام، كخرائبَ، كالنّسمة، كفراشات طفولة شعب، كالدِّفْلى، كأشجار الملح، كالطّفل المذعور، كصغار البجع، كهواها، كالنّورس، كالأشباح، كطاحونة ليل، كزنبقة، كالحلزون، كالوهم، كالنّملة، كسائحة، كعين غزالة، كالخيمة، كالزّلزال، كأفعى..
-أسلوب نداء: استعمل الدّكتور "مفدي" النّداء المباشر في عدّة مرّات و قد اقترن بالتّكرار: يا عاذلتي، يا قبّرة الوادي، يا عفو التّاريخ، يا أحذية الجند، يا قبّرة النّسيان، يا سيّدتي ( 5مرّات)، يا سارية الجند، يا وطني، يا نخلة حمص، يا أمَمٌ..
-استعمل أسلوب إقراريّ تأكيدي: أشيمُ أنا، إنّي في ع?

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثيمة الموت في رواية " رحيل بلا وداع " لمحمد الخرباش "