قصة ‏قصيرة ‏: ‏عودة ‏الفرقة ‏/ ‏بقلم ‏: ‏صالح ‏هشام ‏

عود القرفة / قصة قصيرة                                   
كوب قهوتي السوداء ، مشنوق بفراغ السماء ،أقذف فيه قطعة سكر ، تعلن العصيان ، تتمنع على الذوبان ، تتحدى الماء الساخن ، وتأبى الهبوط ! يمتص منه  الخواء أعمدة دخان ، لا تخلو من رذاذ لذيذ . رغوة كزبد البحر ، تعمم هامة الكأس ، تمارس لعبة التلاشي ...
على مائدة مجاورة ، جريدة تتلاعب بأوراقها الريح ,قصت منها شبكة كلمات متقاطعة  وأخرى مسهمه ,لصوص الجرائد ، يقصون ، يسرقون ، ويتسللون دون أن يشعربهم النادل ، أتصفح عناوينها المضغوطة من بعيد دون أن آخذها ، لم تكن لي رغبة في القراءة ، كل ما فيها يسد النفس ويبعث على الغثيان : دمار ، سرقة ، قتل ، حروب ،انتحار، إعلانات ، إشهارات ، حمى العصر ترقص رقصة جنون العصر .
أحوّل عيني اليمنى من على الجريدة ، وأحطها على الكأس يسراي تراقب حركة الزقاق: أحذية ، سوداء براقة، نعال  متسخة ، صنادل ممزقة ، أقدام حافية ،فوضى من الأقدام  البشرية تسير في اتجاهات مختلفة ، فتشعرني بدوار حد الاستفراغ.
طنين يكاد يخرم طبلة أذني ، أعتقده أزيز طائرة بعيدة ، نحلة سوداء كبيرة شاردة ،تغازل كأسي، تقف على حافته، تتلمظ حلاوة قهوتي، وتعود من حيت أتت ,تختفي تماما ، أتوقع هجوم أسراب من بنات جنسها , قد تفسد على جلستي بعد لحظات ، لم تكن سوى مستطلعة. 
الدخان  يخبو ، في فوهة البركان ، تهدأ حممه وتستكين ، ذبابة كبيرة ,كخافية غراب أسحم ، زجاجية الجناحين ، تستقر فوق الكوب ، قريبا جدا من قهوتي ، تنظف جناحيها، تمددهما في حركة بهلوانية تثير انتباهي ،تتخلص من قذارة المزابل ، عيناها سوداوان كبيرتان ، أشبه بمرآة مقلوبة تدوران في المحاجر ، هزجة تحك ذراعها بذراعها ، تترنح غردة كشارب مترنم ، تتحرش برغوة قهوتي ، وتقترب منها بحيطة وحذر شديدين ، تجهل خطر عمق بركان  ما زال نشطا , ما زال يقذف بعض الحمم ، وهواؤه يلفح بقوة .
 تلتصق أرجلها ببلل القهوة اللزج ، فتخلص الأولى ، تغوص الثانية، تعاود الكرة ،تغوص كل الأرجل ، يرفرف زجاجها بكل قوة، بدون فائدة ، بلا جدوى ,سائل القهوة  صلب كالإسفلت اليابس  ، يمتص المسكينة شيئا فشيئا : كرمال متحركة ، و هي لا حول لها ، ولا قوة ،  أوووف علقت الذبابة !
يرقة ضميري تحرك بعضا مما تبقى في  ضميري من درة رحمة  :
- أنقذها يا هذا ،أنقذها ،حركة بسيطة منك ، وتكون خارج الكوب وتعيش !
أنهر يرقتي المخبولة  : 
-ضعي اللسان في الحنك ،ما قلت شيئا وما سمعت شيئا ،هل يمكن أن أغير ناموس الطبيعة ؟ صراع  من أجل البقاء ، الخلاص أو الموت ، جدلية أبدية : فإما نكون أو لا نكون .
كرة بلورية كبيرة ،ترتطم بالمائدة ,تتكسر شظاياها، تحدث فرقعة قوية ،تنتشلني من غفوة تأملي ، تعقبها بلورة أخرى ، وتنهمر كرات البلور من السماء بلا حساب ، إنها عاصفة البرد, فيهيم الناس في كل الاتجاهات ، يبحثون عن ملاذ آمن : 
-البَرد يكسر الجماجم، يهشم الرؤوس , تقذفه مردة النار من السماء ، قال أحد المارة  .
تزدحم أبواب الدكاكين ، وتغص المحلات التجارية  بمختلف الأجساد البشرية ، و تشتد قوة عاصفة البَرد ، يتكسر بقوة فوق غطاء الرصيف القصديري ، يحدث صوتا أشبه بقرع طبول الحرب !
يقترب من مائدتي ذلك القادم من زمن الأوجاع و التهميش، بحذر شديد : يموت المسكين خوفا من نادل يمارس البلطجية على الضعفاء في المقهى ،يصبح قريبا جدا مني ، ينبهني أحد رواد المقهى المتطفلين :
-يا أخ ،يا شريف , انتبه ، هذا الأحمق ، يسرق أكواب القهوة ، يبتلع كل ما يجده أمامه كالبلدوزر,أطمئنه بابتسامة صفراء أقتلعها مني اقتلاعا ، وأتظاهر بعدم الاهتمام ، يدنومني المسكين ، تصبح همهماته أكثر وضوحا ، أسمعها ، ولا أفهمها.
يخربش على الرصيف بقضيب حديد لا يفارق قبضته : 
- حبيبات الموز .. لا حبيبات اللوز ، تنتشر هنا ، هناك ، ها هي تتحرك كالطاووس تجر قفطانها ، تشد بأطرافه السفلى  ، تكسر الحبيبات بقدميها الجميلتين : تراخ,,تراخ ,, تراخ .
حسناؤه، تتأفف في غنج : 
-يا إلهي أدمى قدمي عود القرفة .
يهلوس ويهذي, دون أن يرفع عينيه عن أرض الرصيف المبللة :
-عود القرفة لا يدمي إلا أقدام الحسناوات مثلها ! 
ويغوص في نوبة ضحك هستيري يثير حفيظة النادل :
- كخ....كخ....كخ....كخ....أما نحن ما يدمي أقدامنا إلا حجر أوجذع شجرة يابس، أما عود القرفة لو وجدناه لابتلعناه ! ..كخ.....كخ.....كخ....كخ...
يضحك ضحكا مجنونا ممزوجا بسعال حاد، يشد بيديه على بطنه , ويكح ويسعل وأنا أراقبه بنصف عين ،تثير فوضاه  انتباه النادل ، يأخذ عصا من الداخل , يلوح بها في السماء  ويأتيه متوعدا  بطرده , فأقول له معاتبا :
-يا أخي اتركه يحتمي من عاصفة البَرد ، أتدفعه إلى الموت ؟ إنه بشر ، دعه على الأقل حتى تقوض العاصفة خيمها وترحل.
يحدق النادل في وجهي ، ويبالغ في التحديق ، ويتمتم قائلا : 
-إنك لا تعرف هذه الفصيلة من الكائنات ، إنهم يزعجون الناس ، يخافون ولا يخجلون ، ويبتلعه باب المقهى .
يغوص المسكين من جديد في هلوساته ، يمارس لعبة جنونه ، وقضيب الحديد ، يخط رسوماته الغريبة على الرصيف , والضحكات لاتفارق محياه المثخن بالجراح :
- الشحم أشبه بكتل هذا السحاب العابر السماء ، اللحم كالمطاط أو جذوع الأشجارههههههه لكن من يأكله ؟ هم يأكلونه أما نحن فإنه يسبب لنا  القمل. علمونا أنه  من أسباب انتشاره !
تراخ ..تراخ ..تراخ : حبيبات اللوز صلبة ، تتكسر تحت أقدامها ، تمر فتتضوع منها رائحة المسك ..هاهي تدغدغ بشعيرات ضفيرتها  وجهي , أنفاسها تكاد تعانق أنفاسي إني أكاد أشتمها رطبة في أنفي , إنها هي.. هي ..هي التي قصمت ظهري في زمن مضى !
وينخرط المسكين في نوبة نحيب ،يذرف دموعا غاض نبعها وهجرت منه المآقي .
- من هي يا هذا !
يناديه أحد رواد المقهى بسخرية . يقطع نحيبه : 
- هي هي ، من هنا تمر, وتكسر حبيبات اللوز ، عود القرفة يدمى قدميها ، فترحل ,ترحل ملفوفة بندف ثلج العاصفة , نعم وترحل إلى الأبد !
يلملم نفسه بنفسه ، وبحركة خاطفة يفرغ كوب قهوتي في جوفه في جرعة واحدة ،  الذبابة ما تزال عالقة في لزوجة القهوة , تقاوم للتخلص من ورطتها !
وتبتلعه أدغال الأجساد الآدمية في زحمة الشارع ، ويرحل برحيل عاصفة البَرد .
الرباط ~الجمعة ٢٥|١٢|٢٠١٥

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثيمة الموت في رواية " رحيل بلا وداع " لمحمد الخرباش "