النخبة وعقدة الشعور النقص / بقلم : باسم عبدالكريم العراقي
{ النخبة وعقدة الشعور النقص }
مابرحت مفردة ( نخبوي )تتردد على السنة القراء الذين يعجزون ، بهذا القدر او ذاك ، عن فهم بعض النصوص الحديثة ، فيتهمون كاتبها بأنه انما يكتب للنخبة ، ولم يسألوا انفسهم مرةً مامعنى ( نخبة ) ؟ ، ولماذا بلغ كاتب ما منزلة ( النخبوي ) ولم يبلغوها هم ؟؟
بدءاَ وكتعريف بسيط لمصطلح النخبوي : هو المبدع ، في حقل معرفي ما سواء كان ادبياً ، فنياً او علمياً .. الخ ، امتلك من اسباب التفوق في مجال اشتغاله الابداعي ، مايجعله قريباً من مدارك شريحة من المتلقين تناسبه ثقافةً ووعياً ، اي ان ابداعه مفهوم ، لكن من قبل متلقين لهم مستوى من الوعي يوازي او يقارب وعي المبدع ، مما يتيح لهم التعاطي مع منجزه الابداعي فهماً او تحليلاً او انتقاداً ومن ثم اتخاذهم موقفاً ازاءه بقبوله او رفضه ، فما الغريب هنا ؟؟ واين الخلل في نخبوية النخبوي ؟؟ هل منع الاخرين مثلاً من تثقيف انفسهم او انه حال بينهم وبين الارتقاء بمستوى وعيهم ؟ ، ان النخبوي هنا يدعوهم الى عكس ذلك ، فلو تفكروا وتجاوزوا ( عقدة ) شعورهم بالنقص المعرفي ازاء ابداعٍه الذي لم يتمكنوا من فهمه ، لعرفوا انه انما يدعوهم ، ضمنياً ، الى تطوير ثقافتهم و ادواتهم القرائية ( فيما يخص مجال الابداع الادبي ) ، وهذا يكون بتوسعة اطلاعهم على الاثار الادبية ومايتعلق بها من دراسات
ومناهج نقدية وادب مقارن ( اي مايوازي الاعمال الادبية العربية من نتاجات ادبية لدى الامم الاخرى ) ، و تعميق معرفتهم بفنون وعلوم اللغة العربية ( النحو ، الصرف ، علم المعاني البلاغة وغيرها ) وماجاء به الفكر الانساني من نظريات في هذا الجانب كالالسنية والسيميائية والبنيوية ..الخ ، فالاديب النخبوي الحقيقي لم يبلغ مرتبة
( النخبوية ) الا بعد ان امتلك مخزوناً معرفياً واحاطة شاملة بجميع مامر ذكره من روافد معرفية غذت ونمّت شخصيته الادبية ، تطلب الحصول عليها جهودا مضنية استنزفت منه سنوات طويلة من الدرس والاطلاع والبحث ومواصلة ذوي الاهتمام المطلعين على اسرار كل فن وعلم ، وما مر بها من عوامل الصقل لذاته الابداعية من مشاعر الاحباط والقلق والتوتر وهو يعيش حالات الفشل وسخرية الاخرين و.. و.. من محاولاته الكتاباتية في مرحلة ماقبل النضوج والتمكن من ادواته الابداعية ، فبلوغ
مرتبة ابداعية ما ليست ضربة حظ او امراً يتنزل من السماء بل هي نتاج وثمرة مسعى واجتهاد متواصلين مقرونين بطول الصبر وتحمل المشقة ومرارة مرحلة ( التجربة والفشل ) ، والمواظبة على معاودة المحاولات ، حتى بلوغ تلك المرتبة الابداعية التي ينظر اليها القارئ الفقير لألف باء الثقافة القرائية على انها ( فوقانية
وغموضية مفتعلة للتباهي والاستعلاء على القراء )..!! ، دون ان يسأل نفسه :
اليس الانبياء نخبويين ؟؟ في امتلاكهم من حدة الذكاء وعمق الوعي ، ما جعل الله يختارهم دون غيرهم من البشر ، كي يأتمنهم على تبليغ رسالاته، وحتى اليوم يحتاج ماتركوه من اثار في الحديث ( وهو نص خطابي ) الى شرح وتفسير ( حتى بلغت كتب التفسير العشرات ) ، ثم ألم يكن امرؤ القيس ، المتنبي ، ارسطو ، ديكارت ، ماركس ، فرويد ، آينشتاين ، اديسون ،مندل ، الكوخان ( العالم البايولوجي مكتشف علة مرض السل ، وفان كوخ الرسام الهولندي الشهير ) ، انجلو ، دافنشي ، بابلوف ، كراهام بيل ، رامبو ،عمر المختار ،جيفارا ، مانديلا ، مخترع الانترنت ، الموبايل وغيرهم من ألوف الفلاسفة ، المخترعين ،الادباء ،الفنانين ، الثوار والساسة ممن غيروا وطوّروا مسارات الحياة،الم يكن كل هؤلاء نخبويين كلاً في مجاله الابداعي المعرفي ؟ لكنهم موضع اعجاب من يطلع على اثارهم لانهم لايثيرون فيه ( اعني المتعاطي مع منجزهم الابداعي ) عقدة النقص بحكم تقادم الزمن على منجزهم الابداعي ، او رسوخه في الذاكرة الانسانية ، اما كاتب النص الادبي الحديث فهو متهم بالنخبوية والاستعلائية و.. و..، لانه ببساطة يثير فيمن لايفهم منجزه الشعور بالنقص .
تعليقات
إرسال تعليق