نجية درواش تداعب اللغة بوجع عمقه صخر وضجيج /// بقلم : سعيد فرحاوي
نجية درواش تداعب اللغة بوجع عمقه صخر وضجيج.
الوجع درجات؛ والصيحات صرخات بتشظي مغاير. ربما اللغة وحدها قادرة على تحديد بوصلة تجليه في الذوات المهمومة ؛ المهاجرة صوب المجهول؛ ذاك مانلمسه ونراه في قنديل شعري شاءته درواش حمقا في كتابة تنقل اجراحها عبر كافة التماهيات؛ ربما الطبيعة كجنون تستطيع ان تنقل الوانها؛ او الذات المهزومة في سيولة بلا ضوابط قادرة ان تحمي آهاتها بصيغ متنوعة؛ لذلك كان الامل ضياعا؛ و الحلم اجراحا ؛ والتيه لعبة لإعادة التأويل في كل التمثلات التي ارادتها الشاعرةتعبيرا لصيحتها. فكانت الكلمة الاولى صخرا يعافر استمرارها؛ كما تقول في ثقوب :
وجع الريح..
كأول صيحة؛،شاءتها عتبة؛ منها ترى الوجود؛ وبها تكتب ضجرها بلغة مغايرة؛ حددت حركاتها في هرولتها الدافئة بوصف دقيق؛ قالت :
ونا هايمة فشط الليل
على ظهر الصخر نعافر...
فنصبح في مرافقتنا لها؛ نعافر روحها؛ كما نساير تمدد اشعة ضوئها بالصيغة التي بها ترانا كائنات نتحرك بمشيئتها؛ وباللون التي تشاؤه حمقا في حكمتها ؛ فكان الفرح وردا يسيل امواج الحياة؛ كما يحرق الزمن الذابل في صيرورتها؛ فيصبح كل شيء مجرد صياغات لانعرف عنها إلا ماقدمته لنا الشاعرة في تحققها المؤجل. لذلك كانت الدموع في رحلتها المتقطعة تنهدات بأوتار ترسم لوحة لوجع الريح؛ وهو ما كتبته في قدرها خيالا وقنديلا وبعضا من امواج تتحرك على حافة ابتسامة فارغة؛ تتبخر دموعا راحلة في حاضر غيابها. ذلك مانلمسه في صوتها الخفي:
نبت فروحي قنديل
فخيالي
ديما امواج
ملي دموع الموج تسيل
نخاف نتنهد
من وجع الريح...
فتختفي الحقيقة؛ تتيه الاصوات؛ تضيع المساعي والمرامي فيصبح الافتقاد ملحمة في تصديها الدائم ؛ والذي غالبا مانعتته بصفات مغايرة في وطن العدم. لان ماتلمسه في تحققها ليس سوى خوف ابدي من شيء مجهول؛ لاتعرف ملامحمه هي نفسها؛ والنتيجة استمرار المتلاشيات في خوفها الابدي؛ تقول:
صوتي خايف يصيح
خايفة الليل يطيح
والحلمة بلا جناح
فالظلمة تسيح
هي حلمة بلا محددات؛ لأنها تجلي بمواصفات غريبة؛ تارة هي حلمة اساسها خوف وتارة اخرى هي حقيقة مجهولة عمقها احتجاج ولوم وعتاب ؛ تتحرك فيه كلما سمح لها قدرها ان تكون دوامة بلا جناح؛
حلمة حالفة
ترجع حقيقة
حقيقة واحلة
حدها من الوقت
دقيقة
حدها فالشوفة
لوحة عميقة
فمنامة بالصدفة
ضرباتها الفيقة
لوحة فوجه مراية
مصبوغة رماد
فتصبح الكتابة عند الشاعرة مجرد صورة تنقل رماد صياغة وجود غير مرغوب؛ لأنه ضربة متسمة بلون الصدمة؛ ترسم وجع استيقاظ يحمل سيولة وقت متوهج بصداه الغريب. فكانت الحياة برمتها في رؤية شاعرة؛ مجرد :
لوحة كتشوفني
وشوفتي فيها
غالب عليها السهاد
اي مجرد لوحة؛ تتبادل فيها الشاعرة مع صداها اصواتا مغايرة ومختلفة؛ كل واحد منهما يكتب قدره نظرة تسيل ماتخفيه الاعماق المجروحة من ضجيج. لوحة؛ كما تقول الشاعرة:
لوحة عزبة
بضفيراتها تلعب
جارة على ظهرها عمر
ريح الخريف عماتو
كدبة من التاريخ عطباتو
عزبة
معنقة الغيوم
ملحفة بالرماد
على حافة الظل
تشكي على الصمت
عزبة قبل الوقت
جمرة شعلات
و فدقيقة طفات...
بمحددات جد دقيقة ترى الشاعرة لوحتها؛ هي مازالت لم تتشكل بعد لانها؛ في نظرها(عزبة)؛ لم تلبس بعد مسؤولية تداخلها في حياة اخرى مشتركة مع طرف اخر مجهول؛ لوحة ضائعة لانها(معنقة الغيوم؛)؛ باهتة ضائعة مخفية؛ لم تنكشف بعد؛ متموقعة على حافة الظل؛ لانها في مكان غير آمن؛ تلبس الوقت؛ تجرف معها ماتراه قربها متشردا ضائعا مفقودا؛ فتبقى الحياة في لوحة صاحبتها مجرد حكاية تنقل عبث الوقت في كذبة تاريخ يشتكي من الصمت. هكذا كما تقول؛ رات لوحتها بمواصفات جد محددة :
هكذا شفتها
بعيدة على الشط
نصها غارق فالما
والنص الثاني
شاد فالسما
عزبة فوجه الحياة
كتتوهكم نفسها
بنص الحقيقة
تهمس فودن الزمان
عريانة
ك شي ناي حزين
حشمانة
ك نجمة الصباح
غامضة
ك كشمس الخريف...
هكذا رات موضوعها؛ وهكذا حكمت عليها القصيدة ان ترسم الوان الحقيقة التي جعلتها تفهم بها الحياة في لوحتها المتشظية التائهة ؛ الهاربة من حمقها الطويل. طبعا هي حكاية بمواصفات خاصة لاتربطنا بنا سوى حكاية بفهم خاص؛ تحدده كلما سمحت لها الحروف ان تعيد التأويلات برؤية جد محددة؛ تقول:
هكذا شفتها
كتحزر فالسما
طامعة فالخلود
كترامى عل الخطيئة
من روحها
تتبعث الحياة
من روحها
تتعاود غناية الليل
بلا مقادف بلا ريح
بلا موجة تدي وتجيب
شادة فشراع الليل
عرقانة كتحرق
بركان جريح
طامعة تفيق
جمرة لي فات
فمراكب الاحزان
تفتش على شط الأمان
تتحرك في كل المحيطات وهي تتكلم عن الغازها في رؤيتها لذاتها من خلال لوحتها؛ كما تحكي عن قصتها بعالم يربطها بها اسرار تحركها بوجع خاص كلما استطاعت ان تحرك لون لوحتها برؤيتها الفريدة التي تؤهلها كل مرة لتصف لنا الحياة كلها من داخل لوحتها في وحلتها خارج عنها عندما تريد؛ وداخلها عندما تصبح الشاعرة هي نفسها اللوحة المتماهية فيها عندما تجد نفسها عاجزة عن الخروج منها. فتبرر كل ماتراه عندما تقول:
علا ش لا ......
تقدر تبدل
خريطة الوقت
تقدر شي نهار
تهرب جثة
من غرفة الإنعاش
جثة
لعزبة غصباتها
نياب الطريق
جثة
لغيمة عراها الليل
ترسم شط الزمن في متاهة المكان؛ تبرر تحركاتها المتقطعة بفهم اكثر تقطعا؛ فيختفي التأويل القديم؛ تضيع الحقيقة السابقة؛ يزول الزمن القديم؛ تختفي خرائط اللوحة الهاربة ؛فتبقى ذات الشاعرة وحدها تسيل وجعها المحتوم؛ الذي لم تجد القدرة على إخفاء ضحيجها؛ الذي تعدى جنونه الحدود؛ فتصبح الحياة في الفهم الجديد مجرد:
كيف طوير د الما
خطوة خطوة
فالطريق تعبر
طامعة تعاود اللحن
لماية الفجر
ترد الحياة لكسدة
عياها الصبر
سيحة حلمي ل فاق
كان الوقت مكافيش
كانت منامة حدها دقيقة
منامة فالخاطر
أجلات البقية
هكذا تنجني الحياة في قصيدة ترسم لوحتها ملحمة لوجع الحقيقة كما تراها شاعرة قادمة من وطن التيه؛ لتصف الوجود بتقطعات مختلفة. شاعرة تكتب عن الزمن وعن المكان؛ كما كتبت عن الذات وعن الوجع؛ عن الحلم والضياع؛ عن الهجرة نحو الحياة الحالمة؛ فرسمت لنفسها لوحة بالوان مختلفة؛ كانت قادرة ان تكون هي نفسها لونا لهذه اللوحة التي ستختفي في اخر المطاف فتختفي الشاعرة معهاليبقى السراب هو اللون الوحيد القادر على الاستمرار من وراء الحروف الجارفة؛ التي تكتب عن الاختراق في وطن الجنون.
تعليقات
إرسال تعليق