بقلم : ليلى عبدلاوي / المغرب

أقدار عابثة
يوما بعد يوم،تسترسل عليها أيام العمر بطيئة متشابهة في هذا البيت الذي لم تعد تملك منه إلا الذكريات.
  في ذلك الصباح الرمادي الكئيب،تتناول فطورها الخفيف،تفتح باب الشرفة،  تجزىء رغيفا إلى قطع صغيرة تضعها للطيور على الأرض.
  تعود إلى الداخل،تتناول مشطا،تسرح خصلات شعرها الطويل الفاحم.
  تقترب من المرآة،تتأمل صورتها،خطوط  عرجاء على الجبين وحول الشفتين،الظلال السوداء تحت العينين تزداد اتساعا، الانحناء الخفيف  الذي أصاب ظهرها سيتحول عما قريب إلى تقوس سافر.
  تعاندها الأيام بتسارع جارف.
"أين الجمال الذي كان؟أن أحلام العمر التي طالما هدهت الخيال؟"
  تحسست مكان قلبها،يا لألم الفؤاد الذين يسمونه الحسرة،الدماء توقفت عن السيلان،لكن ماتزال الندبة هناك ،ولو لم تكن بادية،
  لاأحد في البيت يشعر بعمق هذا الجرح، حتى الوسادة التي تبللها بدموعها تجف قبل الصباح.
  رنت إلى صورة معلقة على الجدار،رجل وقور يبتسم لها في حنان،تنهدت،على يمين البرواز عقد شريط أسود كئيب.
  صوره الاخيرة وهو يصارع من أجل البقاء تتراءى لها  في كل حين،إفلاس مريع  سبب أزمة قلبية عجلت به إلى القبر، استحضرت صوته البحوح وهو يشد على يدها:
-يعز علي يا ابنتي أن افارق الدنيا دون أن أترك لك شيئا،دون أن اطمئن عليك.
ثم ملتفتا إلى زوجته الشابة الجالسة على جانب السرير ترمقه بنظرات  غريبة:
- وصيتك نادية يا زينب،تعرفين أنه لم يعد لها في هذ الدنيا غيرك،هي أختك الآن.
لم تجب الزوجة،اكتفت بالانشغال بأظافرها المصبوغة تقلبها يمينا وشمالا.
  أيقظها فجأة من حديثها صوت حاد:
-نادية ! أين أنت؟ياربي تتلكئين كعادتك! أعدي زجاجة الرضاعة لنبيل! وبادري بإعداد وجبة الغذاء،تعرفين أن سيدك يحب تناول الطعام في وقته المحدد،هيا اسرعي،لن أعيدها مرتين.

ليلى عبدلاوي
(المغرب)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ثيمة الموت في رواية " رحيل بلا وداع " لمحمد الخرباش "